محمد متولي الشعراوي
1382
تفسير الشعراوى
مرئية ، وليكن ربك أوثق عندك من عينك ، إنك قد لا ترى بالفعل هذا الأمر الذي يخبرك به اللّه ، ولكن لأن القائل هو اللّه ، ولا توجد قدرة تخرج ما يقوله اللّه على غير ما يقوله اللّه . لذلك فقد قلنا ساعة يعبر اللّه عن الأمر المستقبل الذي سيأتي بعد ، فإنه قد يعبر عنه بالماضي ، فالحق قد قال : أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 1 ) ( سورة النحل ) فهل ينسجم قوله : « أَتى أَمْرُ اللَّهِ » مع « فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ » ؟ إن الأمر الذي يخبرنا به اللّه قد أتى ، فكيف يمكن عدم استعجاله ؟ إن « أتى » معناها أن الأمر قد حصل قبل أن يتكلم . يجب علينا إذن أن نعرف أن الذي قال : « أتى » قادر على الإتيان به ، فكأنه أمر واقع ، إنها مسألة لا تحتاج إلى جدال ؛ لأنه لا توجد قوة تستطيع أن تنازع اللّه لتبرز أمرا أراده في غير مراده . فكأن قوله الحق : « أَ لَمْ تَرَ » إن كانت تحكى عن حدث فات زمنه فالذي يأتي منها هو العلم ، لأنه إخبار اللّه ، وإن كانت تحكى عن حدث معاصر فالذي يأتي منه أيضا هو العلم ؛ لأنه صادر عن رؤية ومشاهدة . وعندما يقول الحق : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ » . « وأوتوا » تلفتنا إلى قوم قد نزل إليهم منهج من أعلى . ولذلك يأتي في القرآن ذكر المنهج ب « نزل » و « أنزل » ، وذلك حتى نشعر بعلو المكانة التي نزل منها المنهج . وما هو النصيب ؟ إننا نسمى النصيب « الحظ » ، أو خارج القسمة ، كأن يكون عندنا عشرون دينارا ، ونقسمهما على أربعة فيكون لكل واحد خمسة ، هذه الخمسة الدنانير هي التي تسمى « نصيبا » أو « حظا » ، والنصيب : « حظ » أو « قسمة » يضاف لمن أخذه . إذن ، فلماذا يقول الحق : « الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ » إنها لفتة جميلة ، فالكتاب كله لم يبق لهم ، إنما الذي وصل وانتهى إليهم جزء بسيط من الكتاب ، فكأن هذه الكلمة تنبه الرسول والسامعين له أن يعذروا هؤلاء القوم حيث لم يصلهم من الكتاب إلا جزء يسير منه ، إن نصيبا من الكتاب فقط هو الذي وصلهم . ( راجع أصله وخرّج أحاديثه الدكتور أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر )